سهيلة عبد الباعث الترجمان
476
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
في نظريتهم عن وحدة الأديان ، فبالحب أدركوا ما أدركوا من معرفة الحقيقة ، وبالكشف الذوقي توصلوا إلى تعزيز هذه الوحدة في الأديان رغم تعدد العبادات . وتجدر الإشارة هنا أن ابن عربي قد اتخذ " المحبة " وسيلة " لتوحيد العبادة لدى الموجودات جميعها ، وجعل الحب الإلهي أساسا لدين عالمي يتخطى الحدود التي رسمتها الفرق في الدين الواحد ، والتي فرّقت بين الأديان المختلفة وباعدت بينها « 1 » . وعليه يمكننا القول أنه ليس المقصود بوحدة الأديان ما يفهم على ظاهر الكلام من جميع المظاهر العبادية المتعددة في مظهر واحد ، إنما يقصد به المحتوى الأساسي والمضمون الذي تتجه نحوه هذه المظاهر العبادية ، ولهذا فهي في أصلها دين واحد ظهرت على مختلف العصور في مظاهر متعددة وفي صور الأديان المختلفة ، تلك المحاولة لتخطي الصور الظاهرية للوحي بغية الوصول إلى معانيها الباطنة « 2 » ، فعن طريق هذه المظاهر الشكلية أو الظاهرية للدين حاول ابن عربي كغيره من المتصوفة أن يصل إلى باطن الوحي . وهذا الشعور لديه بعيد كل البعد عن متناول الماديين من أصحاب وحدة الوجود الذين يعتقدون أن الكثرة ومظاهر الكون هي كل ما له وجود ، وكل ما له حقيقة ، أما هو فإنه ترفّع عن ذلك ، ولم يغفل الجانب الروحي أو الجانب الإلهي المتضمّن في الوجود العام ، بل غلّب جانب الحق على جانب الخلق ، ونظر إلى الأديان نظرة واحدية بالرغم من تعدد الصور وتنوع المظاهر . وجملة القول أن نظرة ابن عربي إلى الأديان جميعها على أنها دين واحد لا يؤثّر في وحدتها ما قد يقوم بينها من خلافات في أصولها وفروعها ، لأنه كما قيل : من يدين بوحدة الوجود لا يؤثّر فيه مثل هذه الخلافات ، بل تغيب عن نظره ، كما يغيب عنه كل خلاف في الوجود ، ومصدر هذا كله الحب ، لأن الحب أساس الأديان جميعها ، ولا شيء غير الحب . ومن هنا يمكننا القول أنّ ابن عربي يقول بوحدة الأديان ، وتلك نتيجة منطقية من نتائج نظرية الحب الإلهي .
--> ( 1 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التصوف الثورة الروحية في الإسلام ، مرجع سابق ، ص 240 . ( 2 ) نصر ( سيد حسين ) ، ثلاثة حكماء مسلمين ، مرجع سابق ، ص 153 .